محمد حسين هيكل

289

حياة محمد ( ص )

الشدة على المنافقين وإحراق مسجد الضرار من يومئذ بدأ محمد يشتدّ في معاملة المنافقين شدّة لم يألفوها من قبل ، ذلك أن عدد المسلمين زاد زيادة تجعل عبث المنافقين بهم خطرا يخشى منه ويجب تلافيه وعلاجه . ولم يقم بنفس محمد ريب ، بعد أن وعده ربّه لينصرنّ دينه وليعلينّ كلمته في أنهم سيزدادون من بعد أضعاف زيادتهم اليوم ، وعند ذلك يصبح المنافقون خطرا عظيما . ولقد كان له من قبل ، حين كان الإسلام محصورا بالمدينة وما حولها أن يشرف بنفسه على ما يجري بين المسلمين . أمّا وقد انتشر الدين في أنحاء بلاد العرب جميعا ، وهاهو ذا يشارف الانتقال منها فكلّ تهاون مع المنافقين شرّ تخشى مغبته ، وخطر ما أسرع ما يستشري إذا لم تجتثّ جرثومته . بنى جماعة مسجدا بذي أوان ، بينه وبين المدينة نحو ساعة ؛ وإلى هذا المسجد كان يأوي جماعة من المنافقين يحاولون أن يحرّفوا كلام اللّه عن مواضعه . وأن يفرّقوا بذلك بين المؤمنين ضرارا وكفرا . وطلبت هذه الجماعة إلى النبيّ أن يفتتح المسجد بالصلاة فيه . وكان طلبهم هذا قبل تبوك ، فاستمهلهم حتى يعود . فلما عاد وعرف أمر المسجد وحقيقة ما قصد إليه من إقامته أمر بإحراقه ، فضرب بذلك مثلا ارتعدت له فرائض المنافقين فخافوا وانزووا ، ولم يبق لهم من يحميهم إلا عبد اللّه بن أبي شيخهم وقائدهم . على أن عبد اللّه لم يعمّر بعد تبوك غير شهرين مرض إثرهما ومات . ومع أن الحقد على المسلمين قد كان يأكل قلبه منذ نزل النبيّ المدينة ؛ فقد آثر محمد ألا ينال المسلمون ابن أبيّ بسوء . ولم يلبث النبيّ حين دعي للصلاة عليه لمّا مات أن صلى وقام على قبره إلى أن دفن وفرغ منه . وبموته انهار ركن المنافقين . وآثر من بقي منهم أن يخلص للّه توبته . تبوك خاتمة الغزوات بغزوة تبوك تمّت كلمة ربك في شبه الجزيرة كلها ، وأمن محمد كلّ عادية عليها ، وأقبل سائر أهلها وفودا عليه يقدمون الطاعة ويعلنون للّه الإسلام . غبطة النبي بإبراهيم ولقد كانت هذه الغزوة خاتمة غزوات النبيّ عليه السلام ومن بعدها أقام محمد بالمدينة مغتبطا بما أفاء اللّه عليه . وكان ابنه إبراهيم قرّة عينه له ستة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا ، فكان إذا فرغ من استقباله الوفود ، ومن القيام بأمر المسلمين ، ومن أداء حق اللّه ورسالته وحق أهله جميعا لهم ، اطمأنت نفسه برؤية هذا الطفل الذي ظل يترعرع وينمو ويزداد شبهه بمحمد وضوحا مما يزيد أباه له حبّا وبه تعلقا . وخلال هذه الأشهر جميعا كانت حاضنته أم سيف ترضعه وتسقيه لبن الماعز التي أهداها النبي إليها . ولم يكن تعلّق محمد بإبراهيم لغاية في نفسه لها اتصال برسالته أو بمن يخلفه ؛ فقد كان عليه السلام في إيمانه باللّه وبرسالته لا يفكر في ولده ولا فيمن يرثه ، بل كان يقول : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة » . إنما هي العاطفة الإنسانية في أسمى معانيها ؛ العاطفة الإنسانية التي بلغت من السمو في نفس محمد ما لم تبلغه في نفس أحد غيره ؛ العاطفة الإنسانية التي جعلت العربي يرى فيمن يخلفه من الذّكران صورة من صور الخلود - هذه العاطفة التي جعلت محمدا يخلع على إبراهيم كل هذا الحب ؛ ويرمقه من العطف بما لا عطف بعده . ولقد زاد هذه العاطفة رقّة وقوة في نفسه أن فقد ولديه القاسم والطاهر وهما ما يزالان طفلين في